أبو الليث السمرقندي
200
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] قرأ عاصم في رواية أبي بكر ورضوان بضم الراء ، والباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وتفسيرهما واحد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بأعمالهم وثوابهم . ثم وصفهم فقال تعالى : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا أي صدّقنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي : خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام وَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عنا عذاب النار الصَّابِرِينَ يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك ، وللصابرين الذين يصبرون على طاعة اللّه ، ويصبرون على المعاصي ، ويصبرون على ما أصابهم من الشدة والمصيبة . وَالصَّادِقِينَ يعني الصادقين في إيمانهم ، وفي قلوبهم ، وفي وعدهم بينهم وبين الناس ، وبينهم وبين اللّه تعالى . ثم قال : وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين للّه تعالى وَالْمُنْفِقِينَ الذي يتصدقون من أموالهم في سبيل اللّه وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يعني يصلون للّه عند الأسحار . ويقال : يصلون للّه بالليل ، ويستغفرون عند السّحر . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 18 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني أن اللّه تعالى قبل أن يخلق الخلق شهد أن لا إله إلا هو وَالْمَلائِكَةُ ولما خلق الملائكة شهدوا بذلك ، ثم لما خلق اللّه المؤمنين شهدوا بمثل ذلك وهم أُولُوا الْعِلْمِ يعني المؤمنين شهدوا بذلك قائِماً بِالْقِسْطِ يعني اللّه قائما بالعدل على كل نفس . ويقال : من أقرّ بهذه الشهادة على عقد قلبه ، فقد قام بالعدل . وقال مقاتل : سبب نزول هذه الآية أن عبد اللّه بن سلام وأصحابه ، قالوا لرؤساء اليهود اتبعوا دين محمد صلى اللّه عليه وسلم . فقالت اليهود : ديننا أفضل من دينكم . فقال اللّه عز وجلّ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ يشهدون بذلك ، وأولو العلم بالتوراة يشهدون بذلك ، ويشهدون أن اللّه قائم بالقسط ، أي بالعدل ، وأن الدين عند اللّه الإسلام . قال الكلبي : وفيه وجه آخر وذلك أنه لما ظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، قدم عليه حبران من أحبار الشام ، فلما نظرا إلى المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان ، فلما دخلا عليه قالا له : أنت محمد ؟ قال : « نعم » . قالا : وأنت أحمد ؟ قال : « أنا محمد وأحمد » . قالا : أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب اللّه تعالى ، فنزلت هذه الآية شَهِدَ اللَّهُ . . . إلخ . فأسلم الرجلان وصدّقا أن الدين عند اللّه الإسلام . وروي عن أبي عبيدة أنه قال : شهد اللّه يعني علم اللّه وبيّن اللّه ، فاللّه عز وجل دلّ على توحيده بجميع ما خلق ، فبيّن أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأ اللّه تعالى ،